الشيخ محمد رشيد رضا

85

الوحي المحمدي

نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [ الآية : 49 ] ، ونحوه في أواخر سورة يوسف بعد قصته : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [ الآية : 102 ] . ومن الشواهد التي لم يكن يعرفها أحد من أهل الكتاب قوله تعالى بعد قصة زكريا وولادة مريم وكفالته لها ، فيتوهم أنه مأخوذ عنهم : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ آل عمران : 44 ] . الأقلام : جمع قلم تطلق على الأزلام والأقداح التي كانوا يلقونها لضرب القرعة لإزالة الخلاف فيما يتنازعون فيه ، وعلى أقلام الكتابة ، وتكون القرعة بأوراق تخلط بها كما هو المعهود في عصرنا ، والمعنى أنهم اختصموا وتنازعوا في كفالة مريم وتربيتها عناية بأمرها فأصابت القرعة زكريا عليه وعليها السلام ، كما قال تعالى في أول قصتها . ( الوجه الخامس ) : أنه لم يرد في الأخبار الصحيحة والمرفوعة « 1 » أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كان يرجو أن يكون هو النبي المنتظر الذي يتحدث عنه بعض علماء اليهود والنصارى قبل بعثته ، ولو روى عنه شئ من ذلك لدوّنه المحدثون لأنهم ما تركوا شيئا بلغهم عنه إلا ودوّنوه ، كما رووا مثله عن أمية بن أبي الصلت ، بل صرح القرآن المجيد بأنه لم يكن يرجو هذا ولا يؤمله ، قال تعالى : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [ القصص : 86 ] ، أي لكن ألقى إليك رحمة من ربك بك وبالناس كلهم لا كسب لك فيه بعلم ولا عمل ، ولا رجاء ، ولا أمل ، فهذا تأكيد وتكميل الشاهد الأول من الوجه الرابع . ( الوجه السادس ) : أن حديث بدء الوحي الذي أثبته الشيخان في الصحيحين ، وغيرهما من المحدثين صريح في أنه صلّى اللّه عليه وسلم لما رأى الملك أول مرة ولم تجد زوجته خديجة بنت خويلد العاقلة المفكرة وسيلة يطمئن بها على نفسه ، وتطمئن هي عليه إلا استفتاء أعلم العرب بهذا الشأن وهو ابن عمها ورقة بن نوفل الذي كان تنصر ، وقرأ كتب اليهود والنصارى . ( الوجه السابع ) : لو كانت النبوة أمرا كان يرجوه محمد ويتوقعه ، وكان قد تم استعداده له باختلائه وتعبده في الغار ، وما صوروا به حاله فيه من الفكر المضطرب ، والوجدان الملتهب ، والقلب المتقلب ، حتى إذا كمل استعداده . تجلّى له رجاؤه واعتقاده ، بما تم به مراده ، لظهر عقب ذلك كل ما كانت تنطوى عليه نفسه الوثّابة ، وفكرته الوقّادة ، في سورة

--> ( 1 ) الحديث المرفوع في اصطلاح المحدثين ما صرح الصحابي بأنه من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم .